أقلام

حـكايـة وطـن: عـبـد الله الحـوراني .. حـكايـة لا تنتهـي (ملامح من سيرة ذاتية)

الـكـاتب والـباحـث/ ناهــض زقــوت *

في الذكرى الخامسة عشرة لوفاة المفكر المناضل عبد الله الحوراني (أبو منيف)، والتزاماً مني بالوفاء لمن يستحق الوفاء، وحفاظاً على مكانته الشخصية والاعتبارية والوطنية والقومية، وتجربته الحياتية والنضالية التي تجاوزت الخمسين عاماً، أخذت على نفسي عهداً بأن أكتب سيرته ومسيرته، رغم ادراكي لما فيها من صعوبات وتعقيدات، لقربي منه لأكثر من أربعة عشر عاماً، فكان هذا الكتاب الذي يحمل ملامحاً من سيرة حياة المناضل عبد الله الحوراني (أبو منيف)، ويقع في (280) صفحة. وقد عرضته على أكثر من دار نشر لطباعته، ولكنهم اعتذروا لأسباب مادية، ولكني ما زلت مصراً على نشره، بعد أن بذلت جهداً كبيراً لسنوات في إعداد الكتاب وجمع مادته وصياغته.

يصادف اليوم الذكرى الخامسة عشرة لرحيله، فقد رحل في التاسع والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2010م، وهو في قمة العطاء في يوم لا ينسى من ذاكرة شعبنا، إنه اليوم الذي أعلنوا فيه عن تقسيم فلسطين .. وبعد سنوات أعلنوه يوماً للتضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني.

إن كتابة سيرة المناضل القومي والوطني والمفكر عبد الله الحوراني (أبو منيف) هي كتابة وعرة ومعقدة وذات مسارب عدة كأنك تخوض في صحراء مترامية الأطراف، كلما تقدمت تغوص أفكارك في الرمال المتحركة، حيث لم يترك أبو منيف شيئاً مكتوباً من سيرته أو تجربته الحياتية أو مسيرته النضالية، ليس تقصيراً منه ولكنه المرض والموت أدركه مبكراً، فقد تحدث مراراً بأنه سوف يكتب سيرته الذاتية، فكان علينا أن نحقق أمنيته بأن نعيد كتابة سيرته الذاتية بكل ما تحتويها من تجارب شخصية وتجارب نضالية من خلال العلاقة المباشرة معه، أو من خلال لقاءات تم تسجيلها، أو حوارات تم نشرها، أو كتابات سجل فيها ملامح من سيرته وتجربته. لم يكن سهلاً علينا الخوض في الموضوع، بل ترددنا كثيراً قبل الخوض فيه لصعوبته، ولكننا آثرنا أن نخوض التجربة احتراماً وحباً وتقديراً لمكانة هذا الرجل الكبير الذي رسخ فكراً وعلماً ومبادئً وتجربةً نضالية على كل المستويات والمراحل التاريخية تستحق الأجيال القادمة أن تعرفها وتعلمها.

عرفته منذ أن وصل إلى قطاع غزة عائداً رغم رفضه لاتفاق أوسلو واستقالته من اللجنة التنفيذية احتجاجاً على الاتفاق، إلا أنه أصر على حقه في العودة. كان لقائي الأول به في عام 1996م عندما كنت أعمل صحفياً في جريدة الأيام، حيث أجريت معه لقاءً ثقافياً مطولاً حول دائرة الثقافة في منظمة التحرير والانجازات التي حققتها، بصفته رئيساً لهذه الدائرة، ولقاءً ثانياً حول قضية اللاجئين وحق العودة وتحركاته في هذا المجال، وذهبت معه في زياراته للمخيمات، واطلعت عن قرب على مدى تفاعل اللاجئين مع حديثه ورؤيته إلى قضيتهم التي هي قضيته.

وأثناء جلوسي معه في مكتبه في شارع أبو حصيرة بمدينة غزة أبدى رغبته أن أعمل معه في المكتب والقضايا التي يتحرك بشأنها، لم أعترض بل سعدت جداً بالعمل معه لما سمعته عنه من كثير من الأصدقاء الكتاب والمثقفين الفلسطينيين الذين عملوا معه في دائرة الثقافة. تواصلت على الحضور إلى مكتبه، وكان بصدد إنشاء مركز دراسات ومقابلة الرئيس أبو عمار لأخذ موافقته، وكتب كتاباً لي موجهاً للرئيس “أبو عمار” بشأن تعييني في المركز، وقد وقع الرئيس على إنشاء المركز في عام 1997م، وعلى كتاب تعييني، وهو نفس تاريخ التحاقي بالمركز رئيس قسم دائرة العلاقات العامة والإعلام، ثم مديراً لدائرة الدراسات، وترقيت من خلال عملي إلى أن أصبحت مديراً عاماً للمركز، كل هذا بفضل جهود الراحل الكبير عبد الله الحوراني (أبو منيف).

مقالات ذات صلة

بدأت كتابة سيرة المناضل والمفكر عبد الله الحوراني (أبو منيف) كأنني أتخيله جالساً أمامي يحدثني عن سيرته وتجاربه، وقلمي يخط الذكريات والحنين والتجربة والمسيرة الحياتية والنضالية، كثيرة هي الذكريات التي سمعتها منه ومازالت محفورة في ذاكرتي أعيد تسجيلها وفق ظروفها التاريخية، وأدت المعايشة اليومية طوال أربع عشرة سنة مع أبي منيف دورها في الاستماع إلى أحاديثه ومقابلاته وأفكاره. كما تستند هذه السيرة أيضاً إلى العديد من المراجع، وإن كانت لا تتضمن سيرة متكاملة، إنما شذرات من السيرة، وخلفيات تاريخية، تم الاستفادة منها جميعها في بناء السرد. وقمت أيضاً بتفريغ أحاديث ولقاءات مسجلة في الإذاعات المحلية وتلفزيون فلسطين أجراها الراحل أبو منيف يحكي فيها عن ملامح من سيرته بشكل مختصر، وكان تركيزه الأساسي في اللقاءات على الأبعاد السياسية والحركة الوطنية وتفاعلها في الخمسينيات والستينيات، بالإضافة إلى قراءة الأرشيف المصور وزياراته الدولية والإقليمية والمحلية، ومن هذا الكم من الذكريات والأحاديث والصور، كتبنا ملامح من سيرته الذاتية، إذ لا نستطيع أن نكتب كل ما يتعلق به لأنه لم يترك كتابات أو يوميات يمكن أن نرتكز عليها، إنما نحن نحاول أن نعيد بناء السيرة من خلال السطور والوثائق التي اطلعنا عليها.
نحن لا نكتب تاريخاً فحسب، إنما حكاية وطن عنوانها عبد الله الحوراني الذي عاش هذه الحكاية منذ تهجيره قسرياً من بلدته المسمية، وعاش فصولها المأساوية، ونضالها وكفاحها، فهي حكاية أو سيرة ذات خلفية تاريخية، تجمع بين الرواية ذات البعد التخيلي والحقيقة الواقعية، إذ لا نستطيع أن نكتب دون وضع سيرة الراحل أبو منيف في سياقها التاريخي، فقد كانت شخصيته جزءاً من هذا التاريخ ومتفاعلة مع أحداثه.

وتضمت السيرة عناوين مركزية في بناء سردها: الحنين إلى المسمية/ ذكريات قرية المسمية/ النكبة والهجرة من المسمية/ اللجوء وقسوة المخيمات/ الرغبة الجارفة إلى التعليم/ النضال في صفوف حزب البعث/ الترحيل من غزة .. وصولاً إلى دبي/ الترحيل من دبي .. وصولاً إلى دمشق/ الالتحاق بمنظمة التحرير الفلسطينية/ الرئيس صدام حسين .. تجدد اللقاء/ الانتفاضة .. ووثيقة الاستقلال/ حرب الخليج وتداعياتها على القضية الفلسطينية/ رفض أوسلو .. والعودة إلى قطاع غزة/ تحديات الواقع .. والتمسك بالحقوق الوطنية/ الانقسام .. وأزمة المشروع الوطني/ قضايا وأفكار .. وتجارب سياسية/ المُعلم .. الرحيل بلا موعد.
رحم الله الخالد عبد الله الحوراني “أبو منيف”

غزة: 29/11/2025

*المدير العام الأسبق لمركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق/م.ت.ف

زر الذهاب إلى الأعلى