نسيم الرضيع… أسيرٌ خرج للحياة فعاد إليها وحيدًا

لم يكن فجر الحرية الذي تنفّسه الأسير المحرر نسيم الرضيع بعد 22 شهرًا من الاعتقال في سجون الاحتلال، سوى بداية فصل أشدّ مرارة في حكايته. خرج نسيم في الدفعة الأخيرة من صفقة التبادل، لكنه عاد إلى غزة مثقلًا بالألم، محمّلًا بذكريات التعذيب، ومفجوعًا بفقدٍ لم يتخيله يومًا.
منذ اعتقاله في شمال القطاع، تنقل نسيم بين الزنازين وغرف التحقيق، وتعرّض – كما يقول – لكافة أشكال التعذيب الجسدي والنفسي. أصيب باضطرابات النوم، كوابيس متلاحقة، وقلق يطارده مع كل محاولة للراحة. وفي الوقت ذاته، كان قلبه خارج الأسوار، مع عائلته التي طالما خشِي عليها.
لكن ما كان يخشاه وقع… وأكثر.
فقد استُهدف منزل عائلته خلال العدوان، وأصيبت والدته بجراح خطيرة. وبعد أيام فقط، تعرّض المنزل لاستهداف آخر ارتقى فيه والده شهيدًا. وبينما كان نسيم يعيش هذه الأخبار داخل السجن، كان يتعرض لضغط آخر من ضباط الاحتلال. يروي أن ضابطًا هدده بوضوح: “حاخليك تتحسر على زوجتك وأولادك.”
لم يتوقع نسيم أن يكون هذا التهديد مقدمة لفاجعة تفوق كل احتمالات الألم.
داخل السجن، كان نسيم ينسج الأمل خيطًا خيطًا. كتب أسماء زوجته وأطفاله على قطعة قماش صغيرة، وهرّبها معه ليهديهم إيّاها عند لقائه بهم. كان يحلم بالعودة إليهم، وبأن يبدأ معهم حياة جديدة بعد العذاب الطويل.
لكن حين وصلت حافلات الأسرى المحررين إلى مستشفى ناصر، بدأ نسيم يبحث بعينيه وسط الزحام عن زوجته. سأل الناس حول الحافلة، فكانوا يجيبونه: “المكان مزدحم… هي قريبة.”
لم يفهم لماذا لا تأتي. لماذا لا تُسابق الجميع إليه كما تخيل مئات المرات خلف القضبان.
داخل الحافلة، رأى أسيرًا محررًا بجواره يجري اتصالًا من هاتف حصل عليه من أحد أقاربه، فطلبه منه على عجل، واتصل فورًا بزوجته… لكن هاتفها كان مغلقًا. التقط أنفاسه واتصل برقم هاتفه الخاص.
ردت شقيقته بدموع الفرح بتحريره، لكنه لم يبادلها الحديث سوى بسؤال واحد: “وين زوجتي وولادي؟”
ساد الصمت.
ارتبكت الكلمات.
وحين انكشفت الحقيقة… سقط نسيم مغشيًا عليه مرتين داخل الحافلة.
الضابط نفذ تهديده.
زوجته وثلاثة من أطفاله ارتقوا جميعًا في استهداف مباشر لمنزلهم، ولم ينجُ سوى طفلته الصغيرة.
استفاق نسيم على واقع أكثر قسوة مما عاشه في السجن. عاد حرًا في الجسد، لكنه سجين فقدٍ لا ينتهي. عاد إلى غزة بلا بيت، بلا والدين، وبلا زوجة وثلاثة أطفال كان يحلم أن يضمهم جميعًا بتلك القطعة الصغيرة التي نسج عليها أسماءهم.
وبينما يواجه صدمة الفقد ومخلفات التعذيب، يمضي نسيم اليوم في طريق جديد، محاولًا أن يقف على قدميه مجددًا، يحمل ذكرى عائلته وقصته التي تختصر فاجعة آلاف الأسر الفلسطينية في غزة… حيث لا تنتهي الحكاية عند الحرية، بل تبدأ من جديد عند عتبة الألم.









