الهندسة العكسية لحماس: قراءة في قابلية التنظيم للتأثير النفسي وصناعة القرار

تعدّ الحرب النفسية والهندسة العكسية للوعي من أبرز أدوات الصراع غير المباشر في النزاعات المعاصرة. فالمسألة لم تعد مقصورة على القوة العسكرية الصلبة، بل باتت تتعلق بالقدرة على إعادة تشكيل وعي الخصم وإطار قراراته بما يخدم أهداف الطرف الآخر. في هذا السياق، تبرز حماس كحركة مقاومة مسلحة ذات حضور شعبي، لكنها في الوقت ذاته تحمل نقاط ضعف نفسية وتنظيمية قد تجعلها عرضة لاستراتيجيات الهندسة العكسية الإسرائيلية.
أولاً: نقاط الضعف المركزية لحماس
1. شعور بالمناعة ضد الاختراق النفسي
اعتقادها بأنها محصنة من الحرب النفسية يجعلها أقل حساسية للتضليل الإعلامي وأقل استعدادًا لتعديل خطابها.
2. رفض النصائح الخارجية
اعتمادها على إطارها الداخلي فقط يقلص من قدرتها على استيعاب نصائح موضوعية من جمهورها أو حلفائها.
3. نزعة لإظهار الندية والقوة
الإصرار على صورة المقاومة الندية يجعلها أكثر عرضة للاستفزاز واستدراجها إلى قرارات غير محسوبة.
4. الحاجة للمنافسة الداخلية وكسب اهتمام الشعب
سعيها لتثبيت مكانتها كممثل أوحد للمقاومة يدفعها إلى مواقف اندفاعية لمجرد الحفاظ على التفوق الرمزي أمام الفصائل الأخرى.
ثانياً: كيف تستثمر إسرائيل هذه النقاط؟
استغلال الغرور المناعي: ضخ رسائل مشوشة أو أخبار مضللة، مع ضمان أن الحركة ستقلل من أهمية فحصها.
تعميق العزلة: تصوير الحركة ككيان متعنت يرفض النصائح الشعبية والدولية.
تغذية حب الظهور: دفعها لاستعراض القوة بشكل مفرط يؤدي إلى خسائر استراتيجية.
إشعال التنافس الداخلي: إبراز أطراف فلسطينية أخرى كأقرب إلى احتياجات الناس لإضعاف مركزية حماس.
ثالثاً: الهندسة العكسية لصناعة القرار
الأخطر من الحرب النفسية هو الوصول إلى عمق صناعة القرار داخل التنظيم، بحيث يُدفع إلى قرارات يظن أنها انتصار، بينما تخدم في الحقيقة أهداف خصمه. ويتحقق ذلك عبر:
1. إعادة تعريف النصر: إقناع الحركة بأن الإنجازات الرمزية (إطلاق صواريخ، خطابات تعبئة) تكفي، في حين تتآكل قدراتها الميدانية.
2. توجيه ردود الفعل: استدراجها إلى هجمات محسوبة مسبقًا لإضفاء الشرعية على ضربات أوسع.
3. تغذية المنافسة الفصائلية: دفعها لمواقف متشددة فقط لإثبات تفوقها، مما يؤدي إلى استنزاف سياسي واجتماعي.
4. التلاعب بالمعلومات: تسريب بيانات مضللة تجعل قراراتها مبنية على أرضية خاطئة، فتعلن “نصرًا” على أساس زائف.
رابعاً: احتمالية النجاح
على المستوى التكتيكي: مرتفعة نسبيًا (40–70%)، حيث يمكن تضليل بعض القرارات قصيرة المدى.
على المستوى الاستراتيجي: ضعيفة (أقل من 20–30%)، نظرًا لوجود مؤسسات قرار جماعية، وتماسك داخلي، ووعي شعبي يعاين الواقع الميداني مباشرة.
الخطر الأكبر: ليس في الخسارة المباشرة، بل في ترسيخ قناعة لدى التنظيم بأنه يربح بينما يُستنزف تدريجيًا.
خاتمة
الهندسة العكسية للوعي وصناعة القرار تمثل أداة دقيقة في النزاعات المعاصرة. ورغم أن حماس أظهرت قدرة على الصمود، إلا أن نقاط ضعفها النفسية والتنظيمية تجعلها قابلة للاستهداف عبر هذه الأداة. إن إدراك هذه الثغرات يمثل ضرورة لكل الفاعلين لفهم ديناميات الصراع وإدارته بعيدًا عن القراءة السطحية لموازين القوة العسكرية فقط.







